الميكروبيوم المعوي: كيف تؤثر بكتيريا الأمعاء على صحتنا الأيضية؟بقلم الدكتورة زهراء درويش
الميكروبيوم المعوي: كيف تؤثر بكتيريا الأمعاء على صحتنا الأيضية؟بقلم الدكتورة زهراء درويش
مقدمة
في السنوات الأخيرة، ازداد الاهتمام العلمي بما يُعرف بـ الميكروبيوم المعوي، وهو مجموعة الكائنات الدقيقة التي تعيش داخل أمعائنا. ورغم صغر حجمها، إلا أن تأثيرها على صحتنا كبير جدًا، خاصة فيما يتعلق بالوزن، مقاومة الإنسولين، والالتهاب المزمن.
تشير الدراسات إلى أن هذه الكائنات لا تقتصر وظيفتها على الهضم فقط، بل تلعب دورًا مهمًا في تنظيم المناعة، التمثيل الغذائي، وحتى الشهية.
ما هو الميكروبيوم المعوي؟
الميكروبيوم هو مجتمع من البكتيريا النافعة التي تعيش بشكل طبيعي في الجهاز الهضمي. في الحالة الصحية يكون هناك توازن بين البكتيريا المفيدة والضارة.
عند اختلال هذا التوازن — نتيجة نظام غذائي غير صحي، قلة ألياف، توتر، أو استخدام مفرط للمضادات الحيوية — يحدث ما يسمى بـ "خلل التوازن البكتيري".
هذا الخلل قد يرتبط بـ:
زيادة الوزن
مقاومة الإنسولين
اضطرابات هضمية
زيادة الالتهاب في الجسم
كيف يؤثر الميكروبيوم على مقاومة الإنسولين؟
هناك ثلاث آليات رئيسية:
1. تقليل الالتهاب
بعض أنواع البكتيريا المفيدة تنتج مواد تقلل الالتهاب داخل الجسم. وعندما يقل الالتهاب، تتحسن حساسية الخلايا للإنسولين.
2. دعم جدار الأمعاء
الميكروبيوم الصحي يحافظ على سلامة بطانة الأمعاء، مما يمنع تسرب مواد التهابية إلى مجرى الدم.
3. التأثير على الشهية
بكتيريا الأمعاء تؤثر على هرمونات الشبع والجوع، مما قد يساهم في تنظيم الوزن.
علاقة الميكروبيوم بالسمنة
تشير أبحاث حديثة إلى أن الأشخاص الذين يعانون من السمنة غالبًا ما يكون لديهم تنوع بكتيري أقل.
كما أن بعض أنواع البكتيريا قد تزيد من قدرة الجسم على استخلاص الطاقة من الطعام، مما يساهم في زيادة الوزن.
ومن المثير للاهتمام أن تحسين النظام الغذائي قد يغير تركيبة الميكروبيوم خلال أسابيع قليلة فقط.
كيف نحسّن صحة الميكروبيوم؟
1. زيادة تناول الألياف
الخضار، الفواكه، البقوليات، والحبوب الكاملة تغذي البكتيريا النافعة.
2. تقليل السكريات والدهون المصنعة
النظام الغذائي الغني بالأطعمة المصنعة يضعف التنوع البكتيري.
3. تناول الأطعمة المخمّرة
مثل اللبن الرائب والكفير والمخللات الطبيعية.
4. النوم الجيد وتقليل التوتر
نمط الحياة يؤثر بشكل مباشر على التوازن البكتيري.
كيف نُضرّ الميكروبيوم دون أن نشعر؟
رغم أن الميكروبيوم كائن حيّ متكيّف، إلا أنه حساس جدًا لنمط حياتنا اليومي. بعض العادات الشائعة قد تُضعف تنوّعه وتخلّ بتوازنه، مما ينعكس سلبًا على الصحة الأيضية والمناعية.
1. الإفراط في تناول الأطعمة المصنعة
الأنظمة الغذائية الغنية بالسكريات البسيطة، الدهون المتحولة، والمواد الحافظة تؤدي إلى:
انخفاض تنوّع البكتيريا النافعة
زيادة البكتيريا المرتبطة بالالتهاب
ضعف إنتاج الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة المفيدة
2. قلة تناول الألياف
الألياف هي الغذاء الأساسي للبكتيريا المفيدة. نقصها يحرم هذه البكتيريا من مصدر الطاقة، ما يؤدي إلى تراجع أعدادها تدريجيًا.
3. الاستخدام المتكرر أو غير الضروري للمضادات الحيوية
المضادات الحيوية لا تفرّق بين البكتيريا الضارة والنافعة، وقد تسبب انخفاضًا كبيرًا في التنوع البكتيري، خاصة عند الاستخدام المتكرر دون داعٍ طبي واضح.
4. التوتر المزمن وقلة النوم
يوجد تواصل مباشر بين الدماغ والأمعاء فيما يُعرف بمحور الدماغ–الأمعاء.
الضغط النفسي المستمر قد يغير تركيبة الميكروبيوم ويزيد من النفاذية المعوية.
5. قلة النشاط البدني
أظهرت بعض الدراسات أن النشاط البدني المعتدل يرتبط بزيادة تنوّع الميكروبيوم، بينما نمط الحياة الخامل قد يساهم في اختلاله.
لماذا يهمنا ذلك؟
إضعاف الميكروبيوم لا يؤثر فقط على الهضم، بل قد يؤدي إلى:
زيادة الالتهاب منخفض الدرجة
تفاقم مقاومة الإنسولين
صعوبة فقدان الوزن
اضطرابات في تنظيم الشهية
بمعنى آخر، نمط حياتنا اليومي قد يحدد شكل “البيئة البكتيرية” داخل أجسامنا، وهذه البيئة بدورها تؤثر على صحتنا العامة.
خاتمة
الميكروبيوم المعوي لم يعد موضوعًا ثانويًا في الطب الحديث، بل أصبح جزءًا أساسيًا في فهم اضطرابات الأيض مثل السمنة ومقاومة الإنسولين.
الاهتمام بصحة الأمعاء لا يعني فقط تحسين الهضم، بل قد يكون خطوة أساسية في الوقاية من الأمراض المزمنة.
الدكتورة زهراء درويش